الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
226
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطف على إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فهو من كلام موسى - عليه السّلام - والتقدير : واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ تأذّن ربكم لئن شكرتم إلخ ، لأن الجزاء عن شكر النعمة بالزيادة منها نعمة وفضل من اللّه ، لأن شكر المنعم واجب فلا يستحق جزاء لولا سعة فضل اللّه . وأما قوله : وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ فجاءت به المقابلة . ويجوز أن يعطف وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ على نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . فيكون التقدير : واذكروا إذ تأذن ربكم ، على أن إِذْ منصوبة على المفعولية وليست ظرفا وذلك من استعمالاتها . وقد تقدم عند قوله تعالى في سورة الأعراف [ 167 ] : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ وقوله : وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [ سورة الأعراف : 86 ] . ومعنى تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ تكلّم كلاما علنا ، أي كلم موسى - عليه السّلام - بما تضمنه هذا الذي في الآية بمسمع من جماعة بني إسرائيل . ولعل هذا الكلام هو الذي في الفقرات ( 9 - 20 ) من الإصحاح ( 19 ) من « سفر الخروج » ، والفقرات ( 1 - 18 ، 22 ) من الإصحاح ( 20 ) منه ، والفقرات ( من 20 إلى 30 ) من الإصحاح ( 23 ) منه . والتأذن مبالغة في الأذان يقال : أذن وتأذّن كما يقال : توعّد وأوعد ، وتفضّل وأفضل . ففي صيغة تفعّل زيادة معنى على صيغة أفعل . وجملة لَئِنْ شَكَرْتُمْ موطئة للقسم والقسم مستعمل في التأكيد . والشكر مؤذن بالنعمة . فالمراد : شكر نعمة الإنجاء من آل فرعون وغيرها ، ولذلك حذف مفعول شَكَرْتُمْ ومفعول لَأَزِيدَنَّكُمْ ليقدر عاما في الفعلين . والكفر مراد به كفر النعمة وهو مقابلة المنعم بالعصيان . وأعظم الكفر جحد الخالق أو عبادة غيره معه وهو الإشراك ، كما أن الشكر مقابلة النعمة بإظهار العبودية والطاعة . واستغنى ب إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ عن لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً [ النمل : 21 ] لكونه أعم وأوجز ، ولكون إفادة الوعيد بضرب من التعريض أوقع في النفس . والمعنى : إن عذابي لشديد لمن كفر فأنتم إذن منهم . [ 8 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 8 ] وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 8 ) أعيد فعل القول في عطف بعض كلام موسى - عليه السّلام - على بعض لئلا يتوهّم